محمد جمال الدين القاسمي

13

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

عما فيه كذب أو افتراء ، أفلا تعقلون أن من هذا شأنه المطّرد في هذا العهد البعيد ، مستحيل أن يفتري على اللّه ، ويتحكم على الخلق كافة ، بالأوامر والنواهي الموجبة لسفك الدماء ، وسلب الأموال ، ونحو ذلك . وأن ما أتي به وحي مبين ، تنزيل من رب العالمين - انتهى - . وما استنسبه رحمه اللّه ، اقتصر عليه ابن كثير ، ثم استشهد بقول « 1 » هرقل ملك الروم لأبي سفيان ، فيما سأله من صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم : قال هرقل له : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال أبو سفيان فقلت : لا ! وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة ، وزعيم المشركين ، ومع هذا اعترف بالحق ، والفضل ما شهدت به الأعداء ، فقال له هرقل : فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يكذب على اللّه . وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشيّ ملك الحبشة « 2 » : بعث اللّه فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته ، وقد كانت مدة مقامه بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة . وعن ابن المسيب : ثلاثا وأربعين سنة . والصحيح المشهور الأول . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 17 ] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ استفهام إنكاريّ معناه الجحد . أي لا أحد أظلم ممن تقوّل على اللّه تعالى ، وزعم أنه تعالى أرسله وأوحى إليه ، أو كفر بآياته ، كما فعل المشركون بتكذيبهم للقرآن ، وحملهم على أنه من جهته عليه الصلاة والسّلام . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ أي لا ينجون من محذور ، ولا يظفرون بمطلوب ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [ الأنعام : 93 ] ، وترتيب عدم الفلاح على من افترى الوحي ، وعده صادق بلا مرية ، فإن مفتريه ، يبوء بالخزي والنكال ، ولا يشتبه أمره على أحد بحال .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه في : بدء الوحي ، 6 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1 / 202 ، والحديث رقم 1740 .